الخميس، 11 سبتمبر 2008

تأطيرا للرؤية


فيما تكافح المجتمعات من أجل تقديم نماذج (كواركية ) جديدة ، تكافح من أجل تدشين نظرة علموية ، بل و تتحمل تكلفة نشر الثقافة المبنية على هذه النظرة العلموية ، التي صار لها الفخر منذ معادلات الطاقة المكماة ، فبعد أن كانت نظرة العلم تبنى على السياقات المنطقية المدعومة بالبراهين و الشواهد ، صارت تؤدى اليوم بطريق التأكيدات الحسابية الدقيقة ، فقدنا إذن حتى تكريس نظرة الماهيات ، و اضطرتنا النظرة الجديدة لإبراز صيرورتنا نحو إدهاشات رقمية هائلة الدلالة و قاطعة الأكادة ، و إن كانت هذه الحال التي أنطقتها تجربة العلم ، فقد أثبت العلم بجدارة و بلا زعاق و لا ثرثرة أنه ليس مجنونا كالموروث و ليس معتوها كالتقليد ،أثبت أنه ليس نتاجا تبريرا كأحلامنا عن الأمثولات ، لقد قرأ العلم تاريخ المراذل ، لقد أتاح لنفسه التعرف بلا شماتة على سقطات المُثّال ، تلك التي ملأت الدنيا ضجيجا ، كان هادئا ، لم يسب و لم يشتم و لم يكذب و لم يتملق كما قد فعل الأخلاقيون ! لم يتكلم عن الأخلاق و لم يرفع لوحات القيم ، لم يحصل أبدا أن تحزب أو تحيز ، أحكمت الرياضيات قبضتها هذه المرة ، و أتلفت كل رغبات المثال في تكريس النماذج الاستغلاقية ، و تراها ما أحكمت قبضتها تسلطا بل أحكمت أطرها التي قبضت على كل من أراد الاتلاف .... تراني أريد أشرح لكم : عند دخولنا صالة بيت وجدنا شخصين ، هل لنا أن نعرف عند هذه النقطة أيهما أتى من الباب الخلفي ، و أيها حاول أن يكون أخلاقيا ! إن أرقى ما يكون من دقة الملاحظة قد لا يتيح لنا أنا نعرف ، لكن أختان أمكن لهما عمل ذلك بكل بساطة ،أمكن للفيزياء أن تستخدم أداة الرياضيات لكشف كل المخابئ ، و فيما دشنت النظرات الأخرى أيها تكن رؤية النهاية ، فيما حدث ذلك كشف العلم هذا المخبأ و أعلن أن النهاية لا تكون ، قال العلم كلمته : إن آخر ما توصلنا إليه هو ما يمكن تأكيده آنيا ، لكن السعي دائم للكشف عن مزيد من المستجدات .
رأيت الضحية تجلد البارحة ، بدت سعيدة بذلك ، لم تعد تستحق الضحية حتى أن نشعر تجاهها بالشفقة ، و كما حدث كل مرة أمكن للجيل القديم التهام الأجيال الشابة الصغيرة التي تستكشف ، لم يكن يحصل إلا أن تعاد القصة ، بدا مملا إعادة القصة القديمة ! تسارع العلم فجأة و أمكن الجيل الحديث لأول مرة أن يقفز قفزة نوعية ، صار الفارق اليوم من النوع لا من الدرجة ، نعم إننا – أقصد جيل الشباب العربي اليوم - لم نساهم إجمالا في صياغة رسنات العلم الحديث ، لكن ما إن وصلتنا مستحدثات الصناعة العلمية الحديثة حتى بدأ صراع الجيل القديم ، بدا حانقا ، أغضبه الفارق الذي صار واضحا ، في البداية حاول التراثيون التعرف على ما استحدث ، أزمتهم أن اجتذبهم الوراءُ ، فما قولهم مثلا عن الشباب المصري اليوم أنه ضاع إلا الخيبة التي أصيبوا بها ، خاطب شخصا فات الأربعين اليوم ، نحن نلمس ذلك في أروقة الجامعات تزعجه تماما ألفاظ مثل ( احلقله ، نفض ، افكسله ) تشعر أنه أصيب بالسعال ، أو أخذته نوبة سكري ، لا يجد شيئا يحتمي به إلا الأخلاق ، و أنا أسأل بحق الكلاب الضالة في الطرقات- وهو أبخس حق - ما الذي يضر الأخلاق أن قيلت كلمة ( احلق ) ؟؟ إنني سأكون مملا و أبحث عن سبب النوبة العصبية التي أصابت صاحب الخمسين عاما ، أقصد صاحب النظارة السميكة ، بكل هدوء ، ما الخطأ و ما القباحة في لفظ (احلق )؟؟ رأيتم أنني أكتب بالفصحى ، نعم و من التضاد أن أدافع عن العامية في مقال مكتوب ، و كل أصدقائي يعلنونها لي أنه يصعب عليهم أن يفهموا مقالاتي ، أنا أقول : قد لا تجد إلا القليل من جيلي يحب أن يقرأ هذه الكلام ، نعم أنا أتفق مع ذلك ، و لا أشعر بالتناقض أبدا ، أكتب بالفصحى لأنها لغة ، لكنني أنظِّر الآن لتأطير الشيئ ، فأقول : إننا نتكلم العامية ، بل و أنا من الذين أتقنوا العديد من اللهجات ، و الآن أكتشف أن الشيئ الوحيد المسبب لحالة الغثيان في لفظ ( احلق ) المستخدم ليؤدي ما تعورف عليه ، الشيئ الوحيد أنه لفظ حديث ! ، و إلا فأنا أريد توصيفا آخر ، و بما أن اللفظ مستحدث لأداء معنى جديد ، و بانضمام آلية صغيرة في يد قائل الكلمة تكون الحالة النفسية لصديقنا البالغ قد تأزمت بالفعل ، و يلزمه أن يستخدم له جهاز حديث !!! لا أريد تكرار السؤال أخرى ،لكن حين يتعلق الأمر بمسار عام ، هل عرفتم لماذا نعد جيلا سيئا للغاية ؟؟ لأنه لم يعد مقدورا أن يسيطر علينا ، لأن الأخلاق تحب السيطرة ، قالت امرأة إنكليزية مرة لرجل ظنته شاذا : إنه ليس أفضل من الرجال الشواذ ، الرجال المستقيمون يحاولون إظهار تعاطفهم مع المرأة و حقوقها ، يعملون حتى يتمكنوا من الوصول لشيئ وحيد .....الزواج ، ثم يظهر هدفهم ...السيطرة !
لو أمكن لجيل الشباب هذه المرة أن ينفتح ، أن يبتعد عن التقليد ، التقليد حتى للحديث ، التقليد متلف للذاكرة ، إنني لست أقول إن شيئا خياليا سيحدث ، لم نعد مسيطرا علينا و أريد أن أكون متحفظا و أنا أقول ذلك ، لكن رغم ذلك لم نحصِّل شيئا ، لا أريد أن أكون مأساويا لكن الملامح مملة و داعية للتشاؤم ، كلٌّ حرٌّ فيما يريد أن يشعر و فيما يريد أن يفعل ، لكن حين يتكلم في الفيزياء من يحمل درجة الدكتوراه لينطق ((Density على أنها ((Denisity ، لما سمعتها لم أتبينها ، قلت : رجاء دكتور اكتبها فلما كتبها قلت بصوت مسموع : نعم إنها هي !! و أنا أيضا ألوم من ينطقون اللفظ الشائع جدا ((Mall على أنه ((Mool .
أشعر بالشفقة حين أجد إنسانا يحاول أن يهيل جبلا بضربة مطرقة ، هذا حال المُثّال اليوم ، أعلن العلم كلماته بكل وضوح وهدوء ، اختلطت فلسفات التاريخ بالعلم ، و أهّل ذلك للنسبية أن تقلل من وقار الأشياء ، إن لم يكن كسر كل الأسوار الوقورة !! هل قرأتم (سام تريمان ) حين قال : الطبيعة كثيرة المطالب ؟؟ قرأت ذلك مؤخرا فقلت كم هو داع للحسرة أن يغفل الإنسان إعمال ما يقع داخل جمجمته ، لأنه كثير المطالب أيضا !
إن السخرية بمفردها تستطيع أن تحيل كل المراكمات الكلاسيكية إلى الشعور بالخجل ، لا تكترثوا لم يعترف أكثر الخاسرين في تاريخ البشرية بانهزامه أبدا ، كل شيئ ليعمل وظيفته ، هناك من وظيفته الشوشرة ، الأطياف المغرضة إذن هي ما أردت أن أكشف عنه هذه المرة ، عندما تجد أن سبب انفعال شخص ما هو ململات نفسية ، هل قرأتم( وليام سارويان ) في قصته : لوكوموتيف القاطرة 38 ... حين قال في النهاية : و يبدو أنه رجل جاء إلى المدينة و لم يكن لديه ما يفعله ووجد شخصا مثلي لم يكن لديه ما يفعله هو أيضا ، و أرفض تماما الفكرة التي راجت عنه أنه شخص مجنون !......

ليست هناك تعليقات: